الغزالي

85

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

وينبغي أن يعلم أن دوام الملك بالوزير ، وأن دوام الدّنيا بالملك ؛ وينبغي أن يعلم أنه لا يجوز له أن يهم بغير الخير ويعلم أنه أول إنسان يحتاج إليه السلطان . وسئل بهرام جور : إلى كم يحتاج السلطان حتى تتمّ سلطنته وتتكامل بالسرور دولته ؟ فقال : إلى ستة من الأصحاب : الوزير الصالح ، ليظهر إليه سره ، ويدبر معه رأيه ويسوس أمره ، والفرس الجواد ، لينجيه يوم الحاجة إلى النجاة ، والسيف القاطع ، والسلاح الحصين ، والمال الكثير ، الذي يخف حمله ويثقل ثمنه كالجوهر واللؤلؤ والياقوت ، والزوجة الحسناء لتكون مؤنسة لقلبه ، مزيلة لكربه ، والطباخ الخبير الذي إذا أمسك شيئا دبره بلطفه . حكمة : قال أزدشير : حقيق على الملك أن يكون طالبا لأربعة ، فإذا وجدهم احتفظ بهم : الوزير الأمين ، والكاتب العالم ، والحاجب المشفق ، والنديم الناصح ؛ لأنه إذا كان الوزير أمينا دلّ على بقاء الملك وسلامته ، وإذا كان الكاتب عالما دلّ على عقل الملك ورزانته ، وإذا كان الحاجب مشفقا دلّ على رضا الملك عن رعيته ولم يغضب على أهل مملكته ، وإذا كان النديم صالحا دلّ على انتظام الأمر وصلاحه . حكمة : قال موبذان في عهد أنوشروان : إنه لا يمكن حفظ السلطنة إلّا بالأصحاب الأخيار الناصحين المساعدين ، ولا ينفع خير الأصحاب إلّا إذا كان الملك تقيّا ؛ لأنه ينبغي أن يكون الأصل جيدا ثم الفرع . ومعنى تقوى السلطان وصدقه وصحته أن يكون صحيحا في سائر الأمور ، يأمر بالصحة بأقواله وأفعاله ليصحّ بصحته سائر حشمه ورعيته ، وأن يكون واثقا باللّه تعالى ، وأن يرى أن قوته وقدرته وظفره بأعدائه ونصرته ووصوله إلى مراده من اللّه تعالى ، وأن لا يعجب بنفسه فإن أعجب خشي عليه الهلاك كما جاء في الحكاية : حكاية : يقال إن سليمان عليه السلام كان جالسا على سرير ملكه وقد حملته الريح في الجو ، فنظر سليمان إلى مملكته وطاعة الإنس والجن وانقيادهم لعظيم هيبته وسياسته ، فاضطرب السرير وهمّ بالانقلاب ، فقال سليمان للسرير : استقم ! فنطق السرير وقال : استقم أنت حتى نستقيم نحن . كما قال عزّ من قائل : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [ الرعد : 11 ] . وقال أبو عبيدة في أمثاله : « من سلك منهج الجد أمن العثار » .